القرطبي
99
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " ووجدك ضالا " أي لا أحد على دينك ، وأنت وحيد ليس معك أحد ، فهديت بك الخلق إلي . قلت : هذه الأقوال كلها حسان ، ثم منها ما هو معنوي ، ومنها ما هو حسي . والقول الأخير أعجب إلي ، لأنه يجمع الأقوال المعنوية . وقال قوم : إنه كان على جملة ما كان القوم عليه ، لا يظهر لهم خلافا على ظاهر الحال ، فأما الشرك فلا يظن به ، بل كان على مراسم القوم في الظاهر أربعين سنة . وقال الكلبي والسدي : هذا على ظاهره ، أي وجدك كافرا والقوم كفار فهداك ( 1 ) . وقد مضى هذا القول والرد عليه في سورة " الشورى " ( 2 ) . وقيل : وجدك مغمورا بأهل الشرك ، فميزك عنهم . يقال : ضل الماء في اللبن ، ومنه " أئذا ضللنا في الأرض " ( 3 ) [ السجدة : 10 ] أي لحقنا بالتراب عند الدفن ، حتى كأنا لا نتميز من جملته . وفي قراءة الحسن " ووجدك ضال فهدى " أي وجدك الضال فاهتدى بك ، وهذه قراءة على التفسير . وقيل : " ووجدك ضالا " لا يهتدي إليك قومك ، ولا يعرفون قدرك ، فهدى المسلمين إليك ، حتى آمنوا بك . قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى ( 8 ) أي فقيرا لا مال لك . " فأغنى " أي فأغناك بخديجة رضي الله عنها ، يقال : عال الرجل يعيل عيلة : إذا افتقر . وقال أحيحة بن الجلاح : فما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل أي يفتقر . وقال مقاتل : فرضاك بما أعطاك من الرزق . وقال الكلبي : قنعك بالرزق . وقال ابن عطاء : ووجدك فقير النفس ، فأغنى قلبك . وقال الأخفش : وجدك ذا عيال ، دليله " فأغنى " . ومنه قول جرير : الله أنزل في الكتاب فريضة * لابن السبيل وللفقير العائل
--> ( 1 ) مثل هذه الأقوال لا يصح نسبتها إلى سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه ولا لاحد من الأنبياء ، لان العصمة ثابتة لهم قبل النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر على الصحيح . ( 2 ) راجع ج 16 ص 55 فما بعدها . ( 3 ) آية 10 سورة السجدة .